محمد أبو زهرة
244
المعجزة الكبرى القرآن
إطناب فيها فضلا عن التطويل ، والطول للآية يعطيها ألفاظا كثيرة ومعاني كثيرة ، ربما تكون أكثر من الألفاظ . وأن الطول لا يبعد عن حلاوة النغم ، وجمال النسق ، وحسن النظم ، وحلاوته ، ومن الآيات ما يكون قصيرا كما ذكرنا والفواصل متآخية ، والمعاني متكاملة . اقرأ قوله تعالى : وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ( 83 ) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ( 84 ) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ( 85 ) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ( 86 ) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) [ طه : 83 - 87 ] . وترى أن هذه الآيات بعضها قصار ، والأخير كان منها طويلا نسبيا ، لأن فيها عتابا ، وطبيعة العتاب لا يكون قصيرا ، ولا يكون بالإشارة . واقرأ قوله تعالى في هذه السورة : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 ) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً ( 108 ) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ( 109 ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ( 110 ) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( 111 ) [ طه : 105 - 111 ] . وإننا نجد في الظاهرة القرآنية العالية أن الآيات القصار تختص عن غيرها بأن لها خاصة وهي الاعتبار والوقوف عند فواصلها المقاربة غير المتباعدة ، فتكون وقفة يقضى السكون عندها ، فالجواب عن حال الجبال وهي أوتاد الأرض وبها تتماسك بأمر اللّه تعالى ، بأن اللّه تعالى ينسفها نسفا ، وفي هذه الوقفة الصامتة يتدبر أمر اللّه في نسف الجبال ، ويتخيل ذلك ، فيدرك قدرة اللّه تعالى على الإعادة ، ويتدبر الأرض وقد نسفت جبالها ليس بها علو بتضاريس ، ولا انخفاض بجوار علو ، وهكذا تتبع الآيات القصير ، والوقوف عند آخر كل آية ، وكأن اللّه سبحانه وتعالى يدعوك إلى أن تقف لتتدبر وتتفكر ، وتعرف مآلك ، وأنه لا غرابة في أن تعاد الأجسام يوم البعث والنشور . وإن الآيات الطوال تكون في موضوع يحتاج إلى التدبر في أوله وآخره ، وأخذه جميعا ، كما رأينا في آيات الأحكام ، وفي بعض القصص الذي يكون التدبر في مجموعه لا في آحاده ، وفيه يتلاحق آخره بأوله ، كما رأينا في النعم التي أفاض اللّه بها على بني إسرائيل ، وكيف لاقوها بالكفران والعتو عتوا كبيرا .